السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

62

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

ومما يدوّن من عظيم حلمه ، وحسن خلقه وخيمه « 1 » ما شاهدته منه ، وذلك أنّي كنت مسايرا له يوما في موكبه ، فاعترضه رجل مصري من زهاة الناس ، فدنا منه حتى أخذ بركابه وقال : أيها الوالي ، أنا منذ أربعة أشهر في بلدك ولم ينلني منك شيء ، ولم تتفقد لي حالا ، فقال السيد : وما علمي أيّها الرجل بمكانك ، ولم تتعرف إلينا فنعرفك ، ولا جئتنا فنصلك ، على أنّي لم أرك إلّا في ساعتي هذه ، فقال الرجل : واللّه ما ظننت أنّ مثلك لا يعرف الداخل ببلده والخارج منها ، وإن لم تتلاف الأمر طلعت إلى الإمام وشكوتك إليه . وزاد في الكلام حتى أفحش ، والسيد مع ذلك صاغ إليه ، مبتسم من كلامه . فلما انتهى إلى بيته استدعاه ووصله بشيء وصرفه . وهذا مستحيل الكون في زماننا معدوم مفقود ، بل الضدّ منه هو ما تحلّى به رؤساء العصر وأظهروه من أخلاقهم ، واللّه الموفق . ومما جاء من تحلّم الرعاة والرؤساء وكظمهم عن الزهاة السفهاء ما يحكى : أنّ طائفة من الناس كانوا على عهد المعتضد « 2 » يجتمعون بباب الطاق « 3 » ويجلسون في دكان شيخ صيدلاني ، ويخوضون في الفضول والأراجيف ، وفنون الأحاديث ، وفيهم قوم سراة ، وكتّاب ، وأهل بيوتات ، سوى من يسترق السمع منهم من خاصة الناس . وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فضاق المعتضد ذرعا ، وامتلأ غيظا ، وحرج صدره ، ودعا بعبيد اللّه بن سليمان « 4 » ورمى بالرفيعة « 5 » إليه وقال : أنظر فيها وتفهّمها . ففعل وشاهد من تربّد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، وشرّد إلف صبره وقال : قد فهمت

--> ( 1 ) الخيم ( بالكسر ) : السجية ، والطبيعة . ( 2 ) المعتضد ، هو الخليفة العباسي واسمه حمد بن طلحة . توفي سنة 289 ه ( العالم الإسلامي 2 / 67 ) . ( 3 ) باب الطاق : محلة كبيرة ببغداد القديمة . ( 4 ) هو عبيد اللّه بن سليمان بن وهب الحارثي وزير المعتضد توفي سنة 288 ه ( الأعلام 4 / 349 ) . ( 5 ) الرفيعة : القصة المرفوعة إلى الحاكم وهي كالعريضة . في ك ، وأ ( الرقعة ) .